فصل: تفسير الآية رقم (19)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


وربما يقال‏:‏ إنه حينئذ قربة كالحداء وهو ما يقال خلف الإبل من زجر وغيره إذا كان منشطاً لسير هو قربة لأن وسيلة القربة قربة اتفاقاً فيقال‏:‏ لم نقف على خبر في اشتمال حلق الذكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا على عهد خلفائه وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وهم أحرص الناس على القرب على هذا الغناء ولا على سائر أنواعه وصحت أحاديث في الحداء ولذا أطلق جمع القول بندبه وكونهم نشطين بدون ذلك لا يمنع أن يكون فيهم من يزيده ذلك نشاطاً فلو كان لذلك قربة لفعلوه ولو مرة ولم ينقل أنهم فعلوه أصلاً، على أنه لا يبعدأن يقال‏:‏ إنه يشوش على الذاكرين ولا يتم لهم معه تدبر معنى الذكر وتصوره وهو بدون ذلك لا ثواب فيه بالإجماع، ولعل ما يفعل على المنائر مما يسمونه تمجيداً منتظم عند الجهلة في سلك وسائل القرب بل يعده أكثرهم قربة من حيث ذاته وهو لعمري عند العالم بمعزل عن ذلك، وإن كان لحاجة مرض تعين شفاؤه به فلا شك في جوازه والاكباب على المباح منه يخرم المروءة كاتخاذه حرفة، وقول الرافعي‏:‏ لا يخرمها إذا لاق به رده الزركشي بأن الشافعي نص على رد شهادته وجرى عليه أصحابه ونها حرفة دنية ويعد فاعلها في العرف ممن لا حياء له، وعن الحسن أن رجلاً قال له‏:‏ ما تقول في الغناء‏؟‏ قال‏:‏ نعم الشيء الغناء يوصل به الرحم وينفس به عن المكروب ويفعل فيه المعروف قال‏:‏ إنما أعني الشد، قال‏:‏ وما الشد أتعرف منه شيئاً‏؟‏ قال‏:‏ نعم قال‏:‏ فما هو‏؟‏ فاندفع الرجل يغني ويلوي شدقيه ومنخريه ويكسر عينيه فقال الحسن‏:‏ ما كنت أرى أن عاقلاً يبلغ من نفسه ما أرى، واختلفوا في تعاطي خارم المروءة على أوجه‏.‏

ثالثها إن تعلقت به شهادة حرم وإلا فلا‏.‏

قال بعض الأجلة‏:‏ وهو الأوجه لأنه يحرم عليه التسبب في إسقاط ما تحمله وصار أمانة عنده لغيره ويظهر لي أنه إن كان ذلك من عالم يفتدي به أو كان ذلك سبباً للازدراء حرم أيضاً وإن سماعه أي استماعه لا مجرد سماعه بلا قصد عند أمن الفتنة وكون ما يتغني به جائز الإنشاد وعدم تسببه لمعصية كاستدامة مغن لغناء آثم به مباح والأكباب عليه كما قال النووي‏:‏ بسقط المروءة كالأكباب على الغناء المباح، والاختلاف في تعاطي مسقطها قد ذكرناه آنفاً وأما سماعه عند عدم أمن الفتنة وكون ما يتغنى به غير جائز الإنشاد وكونه متسبباً لمعصية فحرام، وتتفاوت مراتب حرمته ولعلها تصل إلى حرمة كبيرة، ومن السماع المحرم سماع متصوفة زماننا وإن خلا عن رقص فإن مفاسده أكثر من أن تحصى وكثير مما يسمعونه من الأشعار من أشنع ما يتلى ومع هذا يعتقدونه قربة ويزعمون أن أكثرهم رغبة فيه أشدهم رغبة أو رهبة قاتلهم الله تعالى أني يؤفكون‏.‏

ولا يخفى على من أحاط خبراً بما تقدم عن القشيري وغيره أن سماعهم مذموم عند من يعتقدون انتصاره لهم ويحسبون أنهم واياه من حزب واحد فويل ان شفعاؤه خصماؤه وأحباؤه أعداؤه، وأما رقصهم عليه فقد زادوا به في الطنبوررنة وضموا كسر الله تعالى شوكتهم بذلك إلى السفه جنة، وقد أفاد بعض الأجلة أنه لا تقبل شهادة الصوفية الذين يرقصون على الدف الذي قيل يباح أو يسن ضربه لعرس وختان وغيرهما من كل سرور، ومنه قدوم عالم ينفع المسلمين راداً على من زعم القبول فقال‏:‏ وعن بعضهم تقبل شهادة الصوفية الذين يرقصون على الدف لاعتقادهم إن ذلك قربة كما تقبل شهادة حنفي شرب النبيذ لاعتقاده إباحته وكذا كل من فعل ما اعتقد إباحته اه، ورد بأن خطأ قبيح لأن اعتقاد الحنفي نشأ عن تقليد صحيح ولا كذلك غيره وإنما منشؤه الجهل والتقصير فكان خيالاً باطلاً لا يلتفت إليه اه‏.‏

ثم إني أقول‏:‏ لا يبعد أن يكون صاحب حال يحركه السماع ويثير منه ما يلجئه إلى الرقص أو التصفيق أو الصعق والصياح وتمزيق الثياب أو نحو ذلك مما هو مكروه أو حرام فالذي يظهر لي في ذلك أنه إن علم من نفسه صدور ما ذكر كان حكم الاستماع في حقه حكم ما يترتب عليه، وإن تردد فيه فالأحوط في حقه إن لم نقل بالكراهة عدم الاستماع، ففي الخبر ‏"‏ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ‏"‏ ثم إن ما حصل له شيء من ذلك بمجرد السماع من غير قصد ولم يقدر على دفعه أصلاً فلا لوم ولا عتاب فيه عليه، وحكمه في ذلك حكم من اعتراه نحو عطاس وسعال قهريين ولا يشترط في دفع اللوم والعتاب عنه كون ذلك مع غيبته فلا يجب على من صدر منه ذلك إن لم يغب إعادة الوضوء للصلاة مثلا، ولينظر فيما لو اعتراه وهو في الصلاة بدون غيبة هل حكمه حكم نحو العطاس والسعال إذا اعتراه فيها أم لا، والذي سمعته عن بعض الكبار الثاني فتدبر‏.‏ ومن الناس من يعتريه شيء مما ذكر عند سماع القرآن اما مطلقاً أو إذا كان بصوت حسن، وقلما يقع ذلك من سماع القرآن أو غيره لكامل‏.‏

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه قيل لها‏:‏ إن قوماً إذا سمعوا القرآن صعقوا فقالت‏:‏ القرآن أكرم من ان يسرق منه عقول الرجال ولكنه كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله‏}‏ وكثيراً ما يكون لضعف تحمل الوارد، وبعض المتصنعين يفعله رياء، وعن ابن سيرين أنه سئل عمن يسمع القرآن فيصعق فقال‏:‏ ميعاد ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط فيقرأ عليهم القرآن من أوله إلى آخره فإن صعقوا فهو كما قالوا، ولا يرد على إباحة الغناء وسماعه في بعض الصور خبر ابن مسعود «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل» لا لأن الغناء فيه مقصور وأن المراد به غني المال الذي هو ضد الفقر إذ يرد ذلك أن الخبر روي من وجه آخر بزيادة والذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع، ومقابلة الغناء بالذكر ظاهر في المراد به التغني، على أن الرواية كما قال بعض الحفاظ بالمدبل لأن المراد أن الغناء من شأنه أن يترتب عليه النفاق أي العملي بأن يحرك إلى غدر وخلف وعد وكذب ونحوها ولا يلزم من ذلك اطراد الترتب‏.‏

وربما يشير إلى ذلك التشبيه في قوله‏:‏ كما ينبت الماء البقل فإن انبات الماء البقل غير مطرد، ونظير ذلك في الكلام كثير، والقائل بإباحته في بعض الصور إنما يبيحه حيث لا يترتب عليه ذلك‏.‏

نعم لا شك أن ما هذا شأنه الأحوط بعد كل قيل وقال عدم الرغبة فيه كذا قيل‏.‏

وقيل‏:‏ يجوز أن يكون أريد بالنفاق الايماني، ويؤيده مقابلته في بعض الروايات بالإيمان ويكون مساق الخبر للتنفير عن الغناء إذ كان الناس حديثي عهد بجاهلية كان يستعمل فيها الغناء للهو ويجتمع عليه في مجالس الشرب، ووجه انباته للنفاق إذ ذاك أن كثيراً منهم لقرب عهده بلذة الغناء وما يكون عنده من اللهو والشرب وغيره من أنواع الفسق يتحرك فلبه لما كان عليه ويحن حنين العشار إليه ويكره لذلك الإيمان الذي صده عما هنالك ولا يستطيع لقوة شوكة الإسلام أن يظهر ما أضمر وينبذ الإيمان وراء ظهره ويتقدم إلى ما عنه تأخر فلم يسعه إلا النفاق لما اجتمع عليه مخافة الردة والاشتياق فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك، وأما الآية فإن كان وجه الاستدلال بها تسمية الغناء لهواً فكم لهو هو حلال وإن كان الوعيد على اشترائه واختياره فلا نسلم أن ذلك على مجرد الاشتراء لجواز أن يكون على الاشتراء ليضل عن سبيل الله تعالى ولا شك أن ذلك من الكبائر ولا نزاع لنا فيه؛ وقال ابن عطية‏:‏ الذي يترجح أن الآية نزلت في لهو الحديث مضافاً إلى الكفر فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِيُضِلَّ‏}‏ الخ اه‏.‏

ومما ذكرنا يعلم ما في الاستدلال بها على حرمة الملاهي كالرباب والجنك والسنطير والكمنجة والمزمار وغيرها من الآلات المطربة بناء على ما روي عن ابن عباس‏.‏ والحسن أنهما فسرا ‏{‏لَهْوَ الحديث‏}‏ بها نعم أنه يحرم استعمالها واستماعها لغير ما ذكر فقد صح من طرق خلافاً لما وهم فيه ابن حزم الضال المضل فقد علقه البخاري ووصله الإسماعيلي‏.‏ وأحمد‏.‏ وابن ماجه‏.‏ وأبو نعيم‏.‏ وأبو داود بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها وصححه جماعة أخرون من الأئمة كما قاله بعض الحفاظ أنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «ليكونن في أمتي قوم يستحلون الخز والخمر والمعازف» وهو صريح في تحريم جميع آلات اللهو المطربة ومما يشبه الصريح في ذلك ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الملاهي عن أنس‏.‏ وأحمد والطبراني عن ابن عباس‏.‏ وأبي أمامة مرفوعاً «ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ وذلك إذا شربوا الخمور واتخذوا القينات وضربوا بالمعازف» وهي الملاهي التي سمعتها، ومنها الصنج العجمي وهو صفر يجعل عليها أوتار يضرب بها على ما ذهب إليه غيرو احد خلافاً للماوردي حيث قال‏:‏ إن الصنج يكره مع الغناء ولا يكره منفرداً لأنه بانفراده غير مطرب؛ ولعله أراد به العربي وهو قطعتان من صفر تضرب أحدهما بالأخرى فإنه بحسب الظاهر هو الذي لا يطرب منفرداً لكن يزيد الغناء طربا، وذكر أنه يستعمله المخنثون في بعض البلاد، ولا يبعد عليه القول بالحرمة، ومنها اليراع وهو الشبابة فإنه مطرب بانفراده بل قال بعض أهل الموسيقى‏:‏ إنه آلة كاملة جامعة لجميع النغمات إلا يسيراً، وقد أطنب الإمام الدولقي وهو من أجلة العلماء في دلائل تحريمه؛ ومنها القياس وهو اما أولى أو مساو وقال‏:‏ العجب كل العجب ممن هو من أهل العلم بزعم أن الشبابة حلال اه ومنه يعلم ما في قول التاج السبكي في توشيحه لم يقر عندي دليل على تحريم اليراع مع كثرة التتبع والذي أراد الحل فإن انضم إليه محرم فلكل منهما حكمه، ثم الأولى عندي لمن ليس من أهل الذوق الأعراض عنه مطلقاً لأن غاية ما فيه حصول لذة نفسانية وهي ليست من المطالب الشرعية وأما أهل الذوف فحالهم مسلم إليهم وهم على حسب ما يجدونه من أنفسهم اه‏.‏

وحكى عن العز بن عبد السلام، وابن دقيق العيدانهما كانا يسمعان ذلك والظاهر أنه كذب لا أصل له وبذلك جزم بعض الأجلة، ولا يبعد حلها إذا صفر فيها كالأطفال والرعاء على غير القانون المعروف من الأطراب‏.‏

ومنها العود وهو آلة للهو غير الطنبور وإطلاقه بعضهم عليه وحكاية النجس ابن طاهر عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أنه كان يسمع العود من جملة كذبه وتهوره كدعواه إجماع الصحابة والتابعين على إباحة الغناء واللهو، ومثله في المجازفة وارتكاب الأباطيل على الجزم ابن حزم لا الدف فيجوز ضربه من رجل وامرأة لا من امرأة فقط خلافاً للحليمي واستماعه لعرس ونكاح وكذا غيرهما من كل سرور في الأصح وبحل ذي الجلاجل منه وهي إما نحو حلق يجعل داخله كدف العرب أو صنوج عراض من صفر تجعل في حروف دائرته كدف العجم جزم جماعة وجرم آخرون بحرمته وبها أقول لأنه كما قال الأذرعي أشد اطراباً من أكثر الملاهي المتفق على تحريمها، وبعض المتصوفة ألفوا رسائل في حل الأوتار والمزامير وغيرها من آلات اللهو وأتوا فيها بكذب عجيب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه رضي الله تعالى عنهم والتابعين والعلماء العاملين وقلدهم في ذلك من لعب به الشيطان وهوى به الهوى إلى هوة الحرمان فهو عن الحق بمعزل وبينه وبين حقيقة التصوف ألف ألف منزل، وإذا تحقق لديك قول بعض الكبار بحل شيء من ذلك فلا تغتر به لأنه مخالف لما عليه أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم من الأكابر المؤيد بالأدلة القوية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك ما عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن رزق عقلاً مستقيماً وقلباً من الأهواء الفاسدة سليماً لا يشك في أن ذلك ليس من الدين وأنه بعيد بمراحل عن مقاصد شريعة سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه أجمعين؛ واستدل بعض أهل الإباحة على حل الشبابة بما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع صوت زمارة راع فجعل إصبعيه في أذنيه وعدل عن الطريق وجعل يقول‏:‏ يا نافع أتسمع فأقول‏:‏ نعم فلما قلت‏:‏ لارجع إلى الطريق ثم قال‏:‏ هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، وأخرجه ابن أبي الدنيا‏.‏

والبيهقي عن نافع أيضاً، وسئل عنه الحافظ محمد بن نصر السلامي فقال‏:‏ إنه حديث صحيح، ووجه الاستدلال به أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر ابن عمر وكان عمره إذ ذاك كما قال الحافظ المذكور سبع عشرة سنة بسد أذنيه ولا نهي الفاعل فلو كان ذلك حراماً لأمر ونهى عليه الصلاة والسلام، وسد أذنيه صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون لكونه عليه الصلاة والسلام إذ ذاك في حال ذكر أو فكر وكان السماع يشغله عليه الصلاة والسلام والتحية ويحتمل أن يكون إنما فعله صلى الله عليه وسلم تنزيها؛ وقال الأذرعي‏:‏ بهذا الحديث استدل أصحابنا على تحريم المزامير وعليه بنوا التحريم في الشبابة اه‏.‏

والحق عندي أنه ليس نصاً في حرمتها لأن سد الأذنين عند السماع من باب فعله صلى الله عليه وسلم وليس مما وضح فيه أمر الجبلة ولا ثبت تخصيصه به عليه الصلاة والسلام ولا مما وضح أنه بيان لنص علم جهته من الوجوب والندب والإباحة فإن كان مما علمت صفته فلا يحلو من أن تكون الوجوب أو الندب أو الإباحة لا جائز أن تكون الوجوب المستلزم لحرمة سماع اليراع إذ لا قائل بأنه يجب على أحد سد الاذنين عند سماع محرم إذ يأمن الاثم بعد القصد فقد قالوا‏:‏ إن الحرام الاستماع لا مجرد السماع بلا قصد، وفي الزواجر الممنوع هو الاستماع لا السماع لا عن قصد اتفاقاً، ومن ثم صرح أصحابنا يعني الشافعية أن من بجواره آلات محرمة ولا يمكنه إزالتها لا يلزمه النقلة ولا يأتم بسماعها لا عن قصد واصغاء اه، والظاهر أن الأمر كذلك عند سائر الأئمة، نعم لهم تفصيل في القعود في مكان فيه نحو ذلك، قالفي تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار‏:‏ دعى إلى وليمة وثمة لعب وغناء قعد وأكل ولو على المائدة لا ينبغي أن يقعد بل يخرج معرضاً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 8 6‏]‏ فإن قدر على المنع فعل وإلا يقدر صبر ان لم يكن ممن يقتدي به فإن كان مقتدى به ولم يقدر على المنع خرج ولا يقعد لأن فيه شين الدين، والمحكى عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه كان قبل أن يصير مقتدى به، وإن علم أولاً لا يحضر أصلاً سواء كان ممن يقتدي به أولاً اه فتعين كونها الندب أو الإباحة وكلا الأمرين لا يستلزمان الحرمة فيحتمل أن يكون ذلك حراماً أو مكروها يندب سداً لاذنين عند سماعه احتياطاً من أن يدعو إلى الاستماع المحرم أو المكروه، وإن كان مما لم تعلم صفته فقد قالوا فيما كان كذلك‏:‏ المذاهب فيه بالنسبة إلى الأمة خمسة الوجوب والندب والإباحة والوقف والتفصيل وهو أنه إن ظهر قصد القربة فالندب وإلا فالإباحة ويعلم مما ذكرنا الحال على كل مذهب والذي يغلب على الظن أن ما أشار إليه الخبر ان كان الزمر بزمارة الزاعي على وجه التأنق وإجراء النغمات التي تحرك الشهوات كما يفعله من جعل ذلك صنعته اليوم فاستماعه حرام وسد الاذنين المشار إليه فيه لعله كان منه عليه الصلاة والسلام تعليماً للأمة أحد طرق الاحتياط المعلوم حاله لئلا يجرهم ذلك إلى الاستماع وإلا فالاستماع لمكان العصمة مما لا يتصور في حقه صلى الله عليه وسلم، ومن عرف قدر الصحابة واطلع على سبيلهم وحرصهم على التأسي به عليه الصلاة والسلام لم يشك في أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه سد أذنيه أيضاً تأسياً ويكون حينئذ قوله عليه الصلاة والسلام الذي يشير إليه الخبر له رضي الله تعالى عنه أتسمع على معنى تسمع أتسمع وإنما أسقط تسمع لدلالة الحال عليه إذ من سد أذنيه لا يسمع، وإنما أذن له صلى الله عليه وسلم بذلك لموضع الحاجة وهذا أقرب من احتمال كون سد الأذنين منه صلى الله عليه وسلم لأنه كان في حال ذكر أو فكر وكان يشغله صلى الله عليه وسلم عند السماع‏.‏

وأما عدم نهيه عليه الصلاة والسلام من كان يزمر عن الزمر والإنكار عليه فلا يسلم دلالته على الجواز فإنه يجوز أن يكون الصوت جاء بعيد وبين الزامر وبينه عليه الصلاة والسلام ما يمنع من الوصول إليه أو لم يعرف عينه صلى الله عليه وسلم لأن الصوت قد جاء من وراء حجاب ولا تتحقق القدرة معه على الإنكار، ويجوز أيضاً أن يكون التحريم معلوماً من قبل وعلم من النبي صلى الله عليه وسلم الإصرار عليه وأن يكون قد علم إصرار ذلك الفاعل على فعله فيكون ذلك كاختلاف أهل الذمة إلى كنائسهم، وفي مثل ذلك لا يدل السكوت وعدم الإنكار على الجواز إجماعاً، ومن قال بأن الكافر غير مكلف بالفروع قال‏:‏ يجوز أن يكون ذلك الزامر كافراً وأن السكوت في حقه ليس دليل الجواز وان كان الزمر بها لا على وجه التأنق وإجراء النغمات التي تحرك الشهوات فلا بعد في أن يقال بالجواز والإباحة فعلا واستماعاً، وسد الأذنين عليه لغاية التنزع اللائق به عليه الصلاة والسلام، وقول الأذرعي في الجواب أن قوله في الخبر زمارة راع لا يعين إنها الشبابة فإن الرعاة يضربون بالشعيبية وغيرها يوهم أن ما يسمى شعيبية مباح مفروغ منه وفيه نظر فإنها عبارة عن عدة قصبات صغار ولها اطراب بحسب حذق متعاطيها فهي شبابة أو مزمار لا محالة، وفي إباحة ذلك كلام، وبعد هذا كله نقول‏:‏ إن الخبر المذكور رواه أبو داود وقال‏:‏ إنه منكر وعليه لا حجة فيه للطرفين وكفى الله تعالى المؤمنين القتال، ثم إنك إذا ابتليت بشيء من ذلك فإياك ثم إياك أن تعتقد أن فعله أو استماعه قربة كما يعتقد ذلك من لا خلاق له من المتصوفة فلو كان الأمر كما زعموا لما أهمل الأنبياء أن يفعلوه ويأمروا اتباعهم به، ولم ينقل ذلك عن أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا أشار إليه كتاب من الكتب المنزلة من السماء، وقد قال الله تعالى‏:‏

‏{‏اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏ ولو كان استعمال الملاهي المطربات أو استماعها من الدين ومما يقرب إلى حضرة رب العالمين لنبيه صلى الله عليه وسلم وأوضحه كمال الإيضاح لأمته، وقد قال عليه الصلاة والسلام «والذي نفسي بيده ما تركت شيئاً يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا أمرتكم به وما تركت شيئاً يقربكم من النار ويباعدكم عن الجنة إلا نهيتكم عنه» وما ذكر داخل في الشق الثاني كما لا يخفى على من له قلب سليم وعقل مستقيم فتأمل وأنصف وإياك من الاعتراض قبل أن تراجه تعرف، ولنا عودة إن شاء الله تعالى للكلام في هذا المطلب يشر الله تعالى ذلك لنا بحرمة حبيبه الأعظم صلى الله عليه وسلم‏.‏

واستدل بعضهم بالآية على القول بأن لهو الحديث الكتب التي اشتراها النضر بن الحرث على حرمة مطالعة كتب تواريخ الفرس القديمة وسماع ما فيها وقراءته، وفيه بحث، ولا يخفى أن فيها من الكذب ما فيها فالاشتغال بها لغير غرض ديني خوض في الباطل، وعده ابن نجيم في رسالته في بيان المعاصي من الصغائر ومثل له بذكر تنعم الملوك والأغنياء فافهم هذا، ومن الغريب البعيد وفيه جعل الاشتراء بمعنى البيع ما ذهب إليه صاحب التحرير قال‏:‏ يظهر لي أنه أراد سبحانه بلهو الحديث ما كانوا يظهرونه من الأحاديث في تقوية دينهم والأمر بالدوام عليه وتغيير صفة الرسول عليه الصلاة والسلام وأن التوراة تدل على أنه من ولد اسحق عليه السلام يقصدون صد أتباعهم عن الإيمان وأطلق اسم الاشتراء لكونهم يأخذون على ذلك الرشاو الجعائل من ملوكهم، وقال‏:‏ يؤيده قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله‏}‏ وهو كما ترى، والمراد بسبيله تعالى دينه عز وجل أو قراءة كتابه سبحانه أو ما يعمهما، واللام في ‏{‏لِيُضِلَّ‏}‏ للتعليل‏.‏

وقرأ ابن كثير‏.‏ وأبو عمرو ‏{‏لِيُضِلَّ‏}‏ بفتح الياء، والمراد ليثبت على ضلاله ويزيد فيه فإن المخبر عنه ضال قبل‏:‏ واللام للعاقبة وكونها على أصلها كما قيل بعيد، وجوز الزمخشري أن يكون قد وضع ‏{‏لِيُضِلَّ‏}‏ على هذه القراءة موضع ليضل من قبل أن من أضل كان ضالاً لا محالة فدل بالرديف وهو الضلال على المردوف وهو الاضلال، ووجه الدلالة أنه أريد بالضلال الضلال المضاعف في شأن من جانب سبيل الله تعالى وتركه رأساً وهذا الضلال لا ينفك عن الإضلال وبالعكس، وبه يندفع نظر صاحب الفرائد بأن الضلال لا يلزمه الاضلال، وفيه توافق القراءتين وبقاء اللام على حقيقتها، وهي على الوجهين متعلقة بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يشتري‏}‏ وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ يجوز أن يكون متعلقاً به أيضاً أي يشتري ذلك بغير علم بحال ما يشتريه أو بالتجارة حيث استبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق، ويجوز أن يكون متعلقاً بيضل أي ليضل عن سبيله تعالى جاهلاً أنها سبيله عز وجل أو جاهلاً أنه يضل أو جاهلاً الحق ‏{‏وَيَتَّخِذَهَا‏}‏ بالنصب عطفاً على ‏{‏يُضِلَّ‏}‏ والضمير للسبيل فإنه ما يذكر ويؤنث، وجوز أن يكون للآيات، وقيل‏:‏ يجوز أن يكون للأحاديث لأن الحديث اسم جنس بمعنى الأحاديث وهو كما ترى ‏{‏هُزُواً‏}‏ أي مهزوأ به‏.‏ وقرأ جمع من السبعة ‏{‏يتخذها‏}‏ بالرفع عطفاً على ‏{‏مَن يَشْتَرِى‏}‏ وجوز أن يكون على إضمار هو ‏{‏أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ‏}‏ لما اتصفوا به من اهانتهم الحق بايثار الباطل عليه وترغيب الناس فيه والجزاء من جنس العمل، و‏{‏أولئك‏}‏ إشارة إلى ‏{‏مِنْ‏}‏ وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد المنزلة في الشرارة، والجمع في اسم الإشارة والضمير باعتبار معناها كما أن الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها، وكذا في قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ‏}‏ ففي الآية مراعاة اللفظ ثم مراعاة المعنى ثم مراعاة اللفظ ونظيرها في ذلك قوله تعالى في سورة الطلاق ‏(‏11‏)‏‏}‏ ‏{‏وَمَن يُؤْمِن بالله‏}‏ الآية، قال أبو حيان‏:‏ ولا نعلم جاء في القرآن ما حمل على اللفظ ثم على المعنى ثم على اللفظ غير هاتين الآيتين، وقال الخفاجي‏:‏ ليس كذلك فإن لها نظائر أي وإذا تتلى على المشتري المذكور ‏{‏ءاياتنا‏}‏ الجليلة الشأن ‏{‏وَلِىُّ‏}‏ أعرض عنها غير معتد بها ‏{‏مُسْتَكْبِراً‏}‏ مبالغاً في التكبر فالاستفعال بمعنى التفعل ‏{‏كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا‏}‏ حال من ضمير ‏{‏وَلِىُّ‏}‏ أو من ضمير ‏{‏مُسْتَكْبِراً‏}‏ أي مشابهاً حاله في اعراضه تكبراً أو في تكبره حال من لم يسمعها وهو سامع، وفيه رمز إلى أن من سمعها لا يتصور منه التولية والاستكبار لما فيها من الأمور الموجبة للإقبال عليها والخضوع لها على طريقة قول الخنساء‏:‏

أيا شجر الخابور مالك مورقا *** كأنك لم تجزع على ابن طريف و‏{‏كَانَ‏}‏ المخففة ملغاة لا حاجة إلى تقدير ضمير شأن فيها وبعضهم يقدره ‏{‏كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً‏}‏ أي صمما مانعاً من السماع، وأصل معنى الوقر الحمل الثقيل استعير للصمم ثم غلب حتى صار حقيقة فيه، والجملة حال من ضمير لم يسمعها أو هي بدل منها بدل كل من كل أو بيان لها ويجوز أن تكون حالاً من أحد السابقين، ويجوز أن تكون كلتا الجملتين مستأنفتين والمراد من الجملة الثانية الترقي في الذم وتثقيل ‏{‏كَانَ‏}‏ في الثانية كأنه لمناسبته للثقل في معناه، وقرأ نافع ‏{‏فِى أُذُنَيْهِ‏}‏ بسكون الذال تخفيفاً ‏{‏فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ أي أعلمه أن العذاب المفرط في الإيلام لا حق به لا محالة، وذكر البشارة للتهكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ بيان لحال المؤمنين بآياته تعالى أثر بيان حال الكافرين بها أي أن الذين آمنوا بآياته تعالى وعملوا بموجبها ‏{‏لَهُمْ‏}‏ بمقابلة ما ذكر من إيمانهم وعملهم ‏{‏جنات النعيم‏}‏ أي انلعيم الكثير وإضافة الجنات إليه باعتبار اشتمالها عليه نظير قولك‏:‏ كتب الفقه وفي هذا إشارة إلى أن لهم نعيمها بطريق برهاني فهو أبلغ من لهم نعيم الجنات إذ لا يستدعي ذلك أن تكون نفس الجنات ملكلهم فقد يتنعم بالشيء غير مالكه، وقيل‏:‏ في وجه الابلغية أنه لجعل النعيم فيه أصلاً ميزت به الجنات فيفيد كثرة النعيم وشهرته، وأياً ما كان فجنات النعيم هي الجنات المعروفة‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن دينار قال‏:‏ جنات النعيم بين جنات الفردوس وبين جنات عدن وفيها جوار خلقن من ورد الجنة قيل‏:‏ ومن يسكنها‏؟‏ قال‏:‏ الذين هموا بالمعاصي فلما ذكروا عظمتي راقبوني والذين انثنت اصلابهم في خشيتي، والله تعالى أعلم بصحة الخبر، والجملة خبر ان، قيل‏:‏ والأحسن أن يجعل ‏{‏لَهُمْ‏}‏ هو الخبر لأن و‏{‏جنات النعيم‏}‏ مرتفعاً به على الفاعلية، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏خالدين فِيهَا‏}‏ حال من الضمير المجرور أو المستتر في ‏{‏لَهُمْ‏}‏ بناء على أنه خبر مقدم أو من ‏{‏جنات‏}‏ بناء على أنه فاعل الظرف لاعتماده بوقوعه خبراً والعامل ما تعله به اللام‏.‏

وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما ‏{‏خالدون‏}‏ بالواو وهو بتقدير هو ‏{‏وَعَدَ الله‏}‏ مصدر مؤكد لنفسه أي لما هو كنفسه وهي الجملة الصريحة في معناه أعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَهُمْ جنات النعيم‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 8‏]‏ فإنه صريح في الوعد‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَقّ‏}‏ مصدر مؤكد لتلك الجملة أيضاً إلا أنه يعد مؤكداً لغيره إذ ليس كل وعد حقاً في نفسه‏.‏

وجوز أن يكون مؤكداً لوعد الله المؤكد، وأن يكون مؤداً لتلك الجملة معدوداً من المؤكد لنفسه بناء على دلالتها على التحقيق والثبات من أوجه عدة وهو بعيد‏.‏ وفي «الكشف» لا يصح ذلك لأن الأخبار المؤكدة لا تخرج عن احتمال البطلان فتأمل ‏{‏وَهُوَ العزيز‏}‏ الذي لا يغلبه شيء ليمنع من انجاز وعده وتحقيق وعيده ‏{‏الحكيم‏}‏ الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، ويفهم هذا الحصر من الفحوى، والجملة تذييل لحقية وعده تعالى المخصوص بمن ذكر المومى إلى الوعيد لأضدادهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏خُلِقَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ‏}‏ الخ استئناف جيء به للاستشهاد بما فصل فيه على عزته عز وجل التي هي كمال القدرة وحكمته التي هي كمال العلم وإتقان العمل وتمهيد قاعدة التوحيد وتقريره وإبطال أمر الإشراك وتبكيت أهله، والعمد جمع عماد كأهب جمع أهاب وهو ما يعمد به أي يسند يقال عمدت الحائط إذا دعمته أي خلقها بغير دعائم على أن الجمع لتعدد السماوات، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَرَوْنَهَا‏}‏ استئناف في جواب سؤال تقديره ما الدليل على ذلك‏؟‏ فهو مسوق لا ثبات كونها بلا عمد لأنها لو كانت لها عمد رؤيت فالجملة لا محل لها من الإعراب والضمير المنصوب للسماوات والرؤية بصرية لا علمية حتى يلزم حذف أحد مفعوليها، وجوز أن يكون صفة لعمد فالضمير لها أي خلقها بغير عمد مرئية على التقييد للرمز إلى أنه تعالى عمدها بعمد لا ترى وه يعمد القدرة، وروى ذلك عن مجاهد وكون عمادها في كل عصر الإنسان الكامل في ذلك العصر ولذا إذا انقطع الإنسان الكامل وذلك عند انقطاع النوع الإنساني تطوي السماوات كطي السجل للكتب كلام لا عماد له من كتاب أو سنة فيما نعلم وفوق كل ذي علم عليم ‏{‏وألقى فِى الارض رَوَاسِىَ‏}‏ بيان لصنعه تعالى البديع في قرار الأرض إثر بيان صنعه عز وجل الحكيم في قرار السماوات أي ألقى فيها جبالاً شوامخ أو ثوابت كراهة ‏{‏أَن تَمِيدَ‏}‏ أو لئلا تميد أي تضطرب ‏{‏بِكُمْ‏}‏ لو لم يلق سبحانه وتعالى فيها رواسي لما أن الحكم اقتضت خلقها على حال لو خلت معه عن الجبال لمادت بالمياه المحيطة بها الغامرة لأكثرها والرياح العواصف التي تقتضي الحكمة هبوبها أو بنحو ذلك، وقد يعد منه حركة ثقيل عليها، وقد ذكر بعض الفلاسفة أنه يلزم بناء على كرية الأرض ووجوب انطباق مركز ثقلها على مركز العالم حركتها مع ما فيها من الجبال بسبب حركة ثقيل من جانب منها إلى آخر لتغير مركز الثقل حينئذ إلا أنه لم يظهر ذلك لكون الأثقال المتحركة عليها كلا شيء بالنسبة إليها مع ما فيها، ولعل من يعد حركة الثقيل عليها من أسباب الميد لو خلت من الجبال يقول‏:‏ لا يبعد حركة ثقيل عليها كما جرى من مكان إلى آخر فاجتمع حتى صار بحراً عظيماً مع ما ينضم إلى ذلك مما تنقله الأهوية من الرمال الكثيرة والتراب يكون له مقدار يعتقد به بالنسبة إلى الأرض خالية من الجبال فتتحرك بحركته إلى خلاف جهته، ثم إن الميد لولا الرواسي بنحو المياه والرياح متصور على تقدير كون الأرض كروية كما ذهب إليه الغزالي وكذا ذهب إلى كروية السماء، وجاء في رواية عن ابن عباس ما يقتضيه وإليه ذهب أكثر الفلاسفة مستدلين عليه بما في التذكرة وشروحها وغير ذلك وهو الذي يشهد له الحس والحدس، وعلى تقدير كونها غير كروية كما ذهب إليه من ذهب واختلفوا في شكلها عليه وتفصيل ذلك يطلب من محله، ولا دلالة في الآية على انحصار حكمة إلقاء الرواسي فيها بسلامتها عن الميد فإن لذلك حكماً لا تحصى‏.‏

وكذا لا دلالة فيها على عدم حركتها على الاستدارة دائماً كما ذهب إليه أصحاب فيثاغورس، ووراءه مذاهب أظهر بطلاناً منه‏.‏ نعم الأدلة النقلية والعقلية على ذلك كثيرة ‏{‏وَبَثَّ فِيهَا‏}‏ أي أوجد وأظهر، وأصل البث الإثارة والتفريق ومنه ‏{‏فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً‏}‏ ‏[‏القارعة‏:‏ 6‏]‏ و‏{‏كالفراش المبثوث‏}‏ ‏[‏القارعة‏:‏ 4‏]‏ وفي تأخيره إشارة إلى توقفه على إزالة الميد ‏{‏مِن كُلّ دَابَّةٍ‏}‏ من كل نوع من أنواعها ‏{‏وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء‏}‏ هو المطر والمراد بالسماء جهة العلو، وجوز تفسيرها بالمظلة وكون الإنزال منها بضرب من التأويل، وترك التأويل لا ينبغي أن يعول عليه إلا إذا وجد من الأدلة ما يضطرنا إليه لأن ذلك خلاف المشاهد ‏{‏فَأَنبَتْنَا فِيهَا‏}‏ أي بسبب ذلك الماء ‏{‏مِن كُلّ زَوْجٍ‏}‏ أي صنف ‏{‏كَرِيمٌ‏}‏ أي شريف كثير المنفعة، والالتفات إلى ضمير العظمة في الفعلين لإبراز مزيد الاعتناء بهما لتكررهما مع ما فيهما من استقامة حال الحيوان وعمارة الأرض ما لا يخفى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏هذا‏}‏ أي ما ذكر من السماوات والأرض وسائر الأمور المعدودة ‏{‏خَلَقَ الله‏}‏ أي مخلوقه ‏{‏فَأَرُونِى‏}‏ أي اعلموني وأخبروني، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر أي إذا علمتم ذلك فأورني ‏{‏مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ‏}‏ مما اتخذتموهم شركاء له سبحانه في العبادة حتى استحقوا به العبودية، و‏{‏مَاذَا‏}‏ يجوز أن يكون اسماً واحداً استفهاماً ويكون مفعولاً لخلق مقدماً لصدراته وأن يكون ‏{‏مَا‏}‏ وحدها اسم استفهام مبتدأ و‏{‏ذَا‏}‏ اسم موصول خبرها وتكون الجملة معلقاً عنها سادة مسد المفعول الثاني لأروني، وأن يكون ‏{‏مَاذَا‏}‏ كله اسماً موصولاً فقد استعمل كذلك على قلة على ما قال أبو حيان ويكون مفعولاً ثانياً له والعائد محذوف في الوجهين وقوله تعالى‏:‏

‏{‏بَلِ الظالمون فِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏ اضراب عن تبكيتهم بما ذكر إلى التسجيل عليهم بالضلال البين المستدعي للإعراض عن مخاطبتهم بالمقدمات المعقولة الحقة لاستحالة أن يفهموا منها شيئاً فيهتدوا به إلى العلم ببطلان ما هم عليه أو يتأثروا من الإلزام والتبكيت فينزجروا عنه، ووضع الظاهر موضع ضميرهم للدلالة على أنهم بإشراكهم واضعون للشيء في غير موضعه ومعتدون عن الحد وظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة‏}‏ كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان الشرك بالنقل بعد الإشارة إلى بطلانه بالعقل‏.‏

ولقمان اسم أعجمي لا عربي مشتق من اللقم وهو على ما قيل‏:‏ ابن باعوراء قال وهب‏:‏ وكان ابن أخت أيوب عليه الصلاة والسلام، وقال مقاتل‏:‏ كان ابن خالته، وقال عبد الرحمن السهيلي‏:‏ هو ابن عنقا بن سرون، وقيل‏:‏ كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعثه فلما بعث قطع الفتوى فقيل له فقال‏:‏ ألا أكتفي إذا كفيت، وقيل‏:‏ كان قاضياً في بني إسرائيل، ونقل ذلك عن الواقدي إلا أنه قال‏:‏ وكان زمانه بين محمد‏.‏ وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وقال عكرمة‏.‏ والشعبي كان نبياً، والأكثرون على أنه كان في زمن داود عليه السلام ولم يكن نبياً‏.‏ واختلف فيه أكان حراً أو عبداً والأكثرون على أنه كان عبداً‏.‏ واختلفوا فقيل‏:‏ كان حبشياً، وروى ذلك عن ابن عباس‏.‏ ومجاهد‏.‏

وأخرج ذلك ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً، وذكر مجاهد في وصفه أنه كان غليظ الشفتين مصفح القدمين، وقيل‏:‏ كان نوبياً مشقق الرجلين ذا مشافر، وجاء ذلك في رواية عن ابن عباس‏.‏ وابن المسيب‏.‏ ومجاهد‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال‏:‏ قلت لجابر بن عبد الله ما انتهى إليكم من شأن لقمان‏؟‏ قال‏:‏ كان قصيراً أفطس من النوبة، وأخرج هو‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر عن ابن المسيب أنه قال‏:‏ إن لقمان كان أسود من سودان مصر ذا مشافر أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة‏.‏ واختلف فيما كان يعانيه من الأشغال فقال خالد بن الربيع‏:‏ كان نجاراً بالراء، وفي معانى الزجاج كان نجاداً بالدال وهو على وزن كتاب من يعالج الفرش والوسائد ويخيطهما‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة‏.‏ وأحمد في الزهد‏.‏ وابن المنذر عن ابن المسيب أنه كان خياطاً وهم أعم من النجاد‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان راعياً وقيل‏:‏ كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة ولا وثوق لي بشيء من هذه الأخبار وإنما نقلتها تأسياً بمن نقلها من المفسرين الأخيار غير أني اختار أنه كان رجلاً صالحاً حكيماً ولم يكن نبياً‏.‏ و‏{‏الحكمة‏}‏ على ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس العقل والفهم والفطنة‏.‏ وأخرج الفريابي‏.‏ وأحمد في الزهد‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن أبي حاتم عن مجاهد أنها العقل والفقه والإصابة في القول، وقال الراغب‏:‏ هي معرفة الموجودات وفعل الخيرات وقال الإمام‏:‏ هي عبارة عن توفيق العمل بالعلم ثم قال‏:‏ وإن أردنا تحديداً بما يدخل فيه حكمة الله تعالى فنقول‏:‏ حصول العمل على وفق المعلوم وقال أبو حيان‏:‏ هي المنطق الذي يتعظ به ويتنبه ويتناقله الناس لذلك، وقيل‏:‏ اتقان الشيء علماً وعملاً وقيل‏:‏ كمال حاصل باستكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها وفسرها كثير من الحكماء بمعرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية‏.‏

ولهم تفسريات أخر وما لها وما عليها من الجرح والتعديل مذكوران في كتبهم ومن حكمته قوله لابنه‏:‏ أي بني إن الدنيا بحر عميق وقد غرق فيها ناس كثير فاجعل سفينتك فيها تقوى الله تعالى وحشوها الايمان وشراعها التوكل على الله تعالى لعلك أن تنجو ولا أراك ناجياً، وقوله‏:‏ من كان له من نفسه واعظ كان له من الله عز وجل حافظ ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله تعالى بذلك عزاً والذل في طاعة الله تعالى أقرب من التعزز بالمعصية وقوله‏:‏ ضرب الوالد لولده كالسماد للزرع وقوله‏:‏ يا بني إياك والدين فإنه ذل النهار هم الليل وقوله يا بني ارج الله عز وجل رجاء لا يجريك على معصيته تعالى وخف الله سبحانه خوفاً لا يؤيسك من رحمته تعالى شأنه، وقوله‏:‏ من كذب ذهب ماء وجهه ومن ساء خلقه كثير غمه ونقل الصخور من موضعها أيسر من إفهام من لا يفهم، وقوله‏:‏ يا بني حملت الجندل والحديد وكل شيء ثقيل فلم أحمل شيئاً هو أثقل من حار السوء، وذقت المرار فلم أذق شيئاً هو أمر من الفقر، يا بني لا ترسل رسولك جاهلاً فإن لم تجد حكيماً فكن رسول نفسك، يا بني إياك والكذب فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يغلي صاحبه، يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس فإن الجنائز تذكرك الآخرة والعرس يشهيك الدنيا، يا بني لا تأكل شبعاً عل شبع فإن إلقاءك إياه للكب خير من أن تأكله، يا بني لا تكن حلواً فتبلع ولا مراً فتلفظ، وقوله لابنه‏:‏ لا يأكل طعامك إلا الأتقياء وشاور في أمرك العلماء، وقوله‏:‏ لا خير لك في أن تتعلم ما لم تعلم ولما تعمل بما قد علمت فإن مثل ذلك مثل رجل احتطب حطباً فحمل حزمة وذهب يحملها فعجز عنها فضم إليها أخرى، وقوله‏:‏ يا بني إذا أردت أن تواخي رجلاً فأغضبه قبل ذلك فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره، وقوله‏:‏ لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسطاتكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء، وقوله‏:‏ يا بني أنزل نفسك من صاحبك منزلة من لا حاجة له بك ولا بد لك منه، يا بني كن كمن لا يبتغي محمدة الناس ولا يكسب ذمهم فنفسه منه في عناء والناس منه في راحة، وقوله‏:‏ يا بني امتنع بما يخرج من فيك فإنك ما سكت سالم وإنما ينبغي لك من القول ما ينفعك إلى غير ذلك مما لا يحصى ‏{‏أَنِ اشكر للَّهِ‏}‏ أي أي أشكر على أن ‏{‏ءانٍ‏}‏ تفسيرية وما بعدها تفسير لايتاء الحكمة وفيه معنى القول دون حروفه سواء كان بإلهام أو وحي أو تعليم‏.‏

وجوز أن يكون تفسيراً للحكمة باعتبار ما تضمنه الأمر، وجعل الزجاج ‏{‏ءانٍ‏}‏ مصدرية بتقدير اللام التعليلية ولا يفوت معنى الأمر كما مر تحقيقه‏.‏

وحكى سيبويه كتبت إليه بأن قم، والجار متعلق بآتينا، وجوز كونها مصدرية بلا تقدير على أن المصدر بدل اشتمال من الحكمة، وهو بعيد ‏{‏وَمَن يَشْكُرْ‏}‏ الخ استئناف مقرر لمضمون ما قبله موجب للامتثال بالأمر أي ومن يشكر له تعالى ‏{‏فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ‏}‏ لأن نفعه من ارتباط القيد واستجلاب المزيد والفوز بجنة الخلود مقصورة عليها ‏{‏وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ‏}‏ عن كل شيء فلا يحتاج إلى الشكر ليتضرر بكفر من كفر ‏{‏حَمِيدٌ‏}‏ حقيق بالحمد وإن لم يحمده أحد أو محمود بالفعل ينطق بحمده تعالى جميع المخلوقات بلسان الحال، فحميد فعيل بمعنى محمود على الوجهين، وعدم التعرض لكونه سبحانه وتعالى مشكوراً لما أن الحمد متضمن للشكر بل هو رأسه كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الحمد رأس الشكر لم يشكر الله تعالى عبد لم يحمده» فإثباته له تعالى إثبات للشكر له قطعاً، وفي اختيار صيغة المضي في هذا الشق قيل‏:‏ إشارة إلى قبح الكفران وأنه لا ينبغي إلا أن يعد في خبر كان، وقيل إشارة إلى أنه كثير متحقق بخلاف الشكر ‏{‏وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 3 1‏]‏ وجواب الشرط محذوف قام مقامه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ الله‏}‏ الخ، وكان الأصل ومن كفر فإنما يكفر على نفسه لأن الله غني حميد، وحاصله ومن كفر فضرر كفره عائد عليه لأنه تعالى غني لا يحتاج إلى الشكر ليتضرر سبحانه بالكفر محمود بحسب الاستحقاق أو بنطق ألسنة الحال فكلا الوصفين متعلقن بالشق الثاني، وجوز أن يكون ‏{‏غَنِىٌّ‏}‏ تعليلاً لقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ‏}‏ وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏حَمِيدٌ‏}‏ تعليلاً للجواب المقدر للشرط الثاني بقرينة مقابله وهو فإنما يكفر على نفسه، وأن يكون كل منهما متعلقاً بكل منهما، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف الذي لم يدع إليه ولم تقم عليه قرينة فتدبر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ‏}‏ تاران على ما قال الطبري‏.‏ والقتيبي؛ وقيل‏:‏ ماثا بالمثلثة، وقيل‏:‏ أنعم، وقيل‏:‏ أشكم وهما بوزن أفعل، وقيل‏:‏ مشكم بالميم بدل الهمزة، و‏{‏إِذْ‏}‏ معمول لا ذكر محذوفاً، وقيل‏:‏ يحتمل أن يكون ظرفاً لآتينا والتقدير وآتيناه الحكمة إذ قال واختصر لدلالة المقدم عليه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ يَعِظُهُ‏}‏ جملة حالية، والوعظ كما قال الراغب زجر مقترن بتخويف، وقال الخليل‏:‏ هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب ‏{‏أَوْ بَنِى‏}‏ تصغير إشفاق ومحبة لا تصغير تحقير‏.‏

ولكن إذا ماحب شيء تولعت *** به أحرف التصغير من شدة الوجد

وقال آخر‏:‏

ما قلت حبيبي من التحقير *** بل يعذب اسم الشيء بالتصغير

وقرأ البزي هنا ‏{‏يا بَنِى‏}‏ بالسكون وفيما بعد ‏{‏يا بني إنَّهَا‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 16‏]‏ بكسر الياء ‏{‏يا بني أَقِمِ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 17‏]‏ بفتحها، وقنبل بالسكون في الأولى والثالث والكسر في الوسطى، وحفص‏.‏ والمفضل عن عاصم بالفتح في الثلاثة على تقدير يا بنيا والاجتزاء بالفتحة عن الألف، وقرأ باقي السبعة بالكسر فيها ‏{‏لاَ تُشْرِكْ بالله‏}‏ قيل‏:‏ كان ابنه كافراً ولذا نهاه عن الشرك فلم يزل يعظه حتى أسلم، وكذا قيل في امرأته‏.‏

وأخرج ابن أبي الدنيا في نعت الخائفين عن الفضل الرقاشي قال‏:‏ ما زال لقمان يعظ ابنه حتى مات‏.‏

وأخرج عن حفص بن عمر الكندي قال‏:‏ وضع لقمان جراباً من خردل وجعل يعط ابنه موعظة ويخرج خردلة فنفد الخردل فقال‏:‏ يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظتها جبلاً لتفطر فتفطر ابنه، وقيل‏:‏ كان مسلماً والنهي عن الشرك تحذير له عن صدوره منه في المستقبل، والظاهر أن الباء متعلق بما عنده، ومن وقف على ‏{‏لاَ تُشْرِكْ‏}‏ جعل الباء للقسم أي أقسم بالله تعالى ‏{‏إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏}‏ والظاهر أن هذا من كلام لقمان ويقتضيه كلام مسلم في «صحيحه»، والكلام تعليل للنهي أو الانتهاء عن الشرك، وقيل‏:‏ هو خير من الله تعالى شأنه منقطع عن كلام لقمان متصل به في تأكيد المعنى، وكون الشرك ظلماً لما فيه من وضع الشيء في غير موضعه وكونه عظيماً لما فيه من التسوية بين من لا نعمة إلا منه سبحانه ومن لا نعمة له‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه‏}‏ الخ كلام مستأنف اعترض به على نهج الاستطراد في أثناء وصية لقمان تأكيداً لما فيه من النهي عن الإشراك فهو من كلام الله عز وجل لم يقله سبحانه للقمان، وقيل‏:‏ هو من كلامه تعالى قاله جل وعلا وكأنه قيل‏:‏ قلنا له اشكر وقلنا له وصينا الإنسان الخ، وفي «البحر» لما بين لقمان لابنه إن الشرك ظلم ونهاه عنه كان ذلك حثاً على طاعة الله تعالى ثم بين أن الطاعة أيضاً تكون للأبوين وبين السبب في ذلك فهو من كلام لقمان مما وصى به ابنه أخبر الله تعالى عنه بذلك، وكلا القولين كما ترى، والمعنى وأمرنا الإنسان برعاية والديه ‏{‏حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً‏}‏ أي ضعفاً ‏{‏على وَهْنٍ‏}‏ أي ضعف، والمصدر حال من ‏{‏أُمُّهُ‏}‏ بتقدير مضاف أي ذات وهن؛ وجوز جعله نفسه حالاً مبالغة لكنه مخالف للقياس إذ القياس في الحا لكونه مشتقاً، ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً لفعل مقدر أي تهن وهناً، والجملة حال من ‏{‏أُمُّهُ‏}‏ أيضاً‏.‏

وأياً ما كان فالمراد تضعف ضعفاً متزايداً بازدياد ثقل الحمل إلى مدة الطلق، وقيل‏:‏ ضعفاً متتابعاً وهو ضعف الحمل وضعف الطلق وضعف النفاس، وجوز أن يكون حالاً من الضمير المنصوب في ‏{‏حَمَلَتْهُ‏}‏ العائد على ‏{‏الإنسان‏}‏ وهو الذي يقتضيه ما أخرجه ابن جرير‏.‏ وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال‏:‏ ‏{‏وَهْناً‏}‏ الولد ‏{‏على وَهْنٍ‏}‏ الوالدة وضعفها، والمراد أنه حملته حال كونه ضعيفاً على ضعيف مثله، وليس المراد أنها حملته حال كونه متزايد الضعف ليقال إن ضعفه لا يتزايد بل ينقص‏.‏ وقرأ عيسى الثقفي‏.‏ وأبو عمرو في رواية ‏{‏وَهْناً على وَهْنٍ‏}‏ بفتح الهاء فيهما فاحتمل أن يكون من باب تحريك العين إذا كانت حرف حلق كالشعر والشعر على القياس المطرد عند الكوفي كما ذهب إليه ابن جني، وأن يكون مصدر وهن بكسر الهاء يهوهن بفتحها فإن مصدره جاء كذلك وهذا كما يقال تعب يتعب تعباً كما قيل‏:‏ وكلام صاحب «القاموس» ظاهر في عدم اختصاص أحد المصدرين بأحد الفعلين قال‏:‏ الوهن الضعف في العمل ويحرك والفعل كوعد وورث وكرم‏.‏

‏{‏وفصاله‏}‏ أي فطامه وترك ارضاعه‏.‏ وقرأ الحسن‏.‏ وأبو رجاء وقتادة‏.‏ والجحدري‏.‏ ويعقوب ‏{‏وفصاله‏}‏ وهو أعم من الفصال، والفصال ههنا أوقع من الفصل لأنه موقع يختص بالرضاع وإن رجعا إلى أصل واحد على ما قال الطيبي ‏{‏فِى عَامَيْنِ‏}‏ أي في انقضاء عامين أي في أول زمان انقضائهما، وظاهر الآية أن مدة الرضاع عامان وإلى ذلك ذهب الإمام الشافعي‏.‏ والإمام أحمد‏.‏ وأبو يوسف‏.‏ ومحمد، وهو مختار الطحاوي‏.‏

وروى عن مالك، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن مدة الرضاع الذي يتعلق به التحريم ثلاثون شهراً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً‏}‏ ‏[‏الأحفاق‏:‏ 5 1‏]‏، ووجه الاستدلال به أنه سبحانه وتعالى ذكر شيئين وضرب لهما مدة فكانت لكل واحد منهما بكمالها كالأجل المضروب للديني على شخصين بأن قال‏:‏ أجلت الدين الذي لي على فلان والدين الذي لي على فلان سنة فإنه يفهم أن السنة بكمالها لكل، أو على شخص بأن قال لفلان علي ألف درهم وعشرة أقفزة إلى سنة فصدقه المقر له في الأجل فإذا مضت السنة يتم أجلهما جميعاً إلا أنه قالم النقص في أحدهما أعني مدة الحمل لقول عائشة الذي لا يقال مثله إلا سماعاً‏:‏ الولد لا يبقى في بطن أمه أكثر من سنتين ولو بقدر فلكة مغزل فتبقى مدة الفصال على ظاهرها، وما ذكر هنا أقل مدته وفيه بحث ‏{‏أَنِ اشكر لِى ولوالديك‏}‏ تفسير لوصينا كما اختاره النحاس فإن تفسيرية، وجوز أن تكون مصدرية بتقدير لام التعليل قبلها وهو متعلق بوصينا وبلا تقدير على أن يكون المصدر بدلاً من والديه بدل الاستمال، وعليه كأنه قيل‏:‏ وصينا الإنسان بوالديه بشكرهما وذكر شكر الله تعالى لأن صحة شكرهما تتوقف على شكره عز وجل كما قيل في عكسه لا يشكر الله تعالى من لا يشكر الناس ولذا قرن بينهما في الوصية، وفي هذا من البعد ما فيه، وأما القول بأن الأمر يأبى التفسير والتعليل والبدلية بشيء كما أشرنا إليه قريباً، وعلى الأوجه الثلاثة يكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَمَلَتْهُ أُمُّهُ إلى عَامَيْنِ‏}‏ اعتراضاً مؤكداً للتوصية في حق الأم خصوصاً لذكر ما قاسته في تربيته وحمله، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث صحيح رواه الترمذي‏.‏ وأبو داود عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده لمن سأله عمن يبره‏:‏ أمك وأجابه عن سؤاله به ثلاث مرات، وعن بعض العرب أنه حمل أمه إلى الحج على ظهره وهو يقول في حدائه‏:‏

احمل أمي وهي الحمالة *** ترضعني الدرة والعلالة ولا يجازي والد فعاله

ولله تعالى در من قال‏:‏

لأمك حق لو علمت كبير *** كثيرك يا هذا لديه يسير فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي

لها من جراها أنة وزفير وفي الوضع لو تدري عليها مشقة *** فمن غصص لها الفؤاد يطير وكم غسلت عنك الأذى بيمينها

وما حجرها إلا لديك سرير وتفديك مما تشتكيه بنفسها *** ومن ثديها شرب لديك نمير وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها

حنوا وإشفاقاً وأنت صغير فآها لذي عقل ويتبع الهوى *** وآهاً لأعمى القلب وهو بصير فدونك فارغب في عميم دعائها

فأنت لما تدعو به لفقير *** واختلف في المراد بالشكر المأمور به فقيل هو الطاعة وفعل ما يرضي كالصلاة والصيام بالنسبة إليه تعالى وكالصلة والبر بالنسبة إلى الوالدين، وعن سفيان بن عيينة من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى ومن دعا لوالديه في ادبارها فقد شكرهما ولعل هذا بيان لبعض أفراد الشكر ‏{‏إِلَىَّ المصير‏}‏ تعليل لوجوب الامتثال بالأمر أي إلى الرجوع لا إلى غيري فأجازيك على ما صدر عنك مما يخالف أمري‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15 - 16‏]‏

‏{‏وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏15‏)‏ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِن جاهداك على أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ‏}‏ أي باستحقاقه الإشراك أو بشركته له تعالى في استحقاق العبادة، والجار متعلق بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عِلْمٍ‏}‏ وما مفعلو ‏{‏تُشْرِكْ‏}‏ كما اختاره ابن الحاجب ثم قال‏:‏ ولو جعل ‏{‏تُشْرِكْ‏}‏ بمعنى تكفر وجعلت ‏{‏مَا‏}‏ نكرة أو بمعنى الذي بمعنى كفراً أو الكفر وتكون نصباً على المصدرية لكان وجهاً حسناً، والكلام عليه أيضاً بتقدير مضاف أي وإن جاهدك الوالدان على أن تكفر بي كفراً ليس لك أو الكفر الذي ليس لك بصحته أو بحقيته علم ‏{‏فَلاَ تُطِعْهُمَا‏}‏ في ذلك والمراد استمرار نفي العلم لا نفي استمراره فلا يكون الإشراك إلا تقليداً‏.‏ وفي «الكشاف» أراد سبحانه بنفي العلم نفي ما يشرك أي لا تشرك بي ما ليس بشيء يريد عز وجل الأصنام كقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَىْء‏}‏‏:‏ وجعله الطيبي على ذلك من باب نفي الشيء بنفي لازمه وذلك أن العلم تابع للمعلوم فإذا كان الشيء معدوماً لم يتعلق به موجوداً، ونقل عن ابن المنير أنه عليه من باب‏:‏

على لا حب لا يهتدي بمناره *** أي ما ليس بإله فيكون لك علم بإلهيته وفي «الكشف» أن الزمخشري أراد أنه بولغ في نفي الشريك حتى جعل كلا شيء ثم بولغ حتى ما لا يصح أن يتعلق به علم والمعدوم يصح أن يعلم ويصح أن يقال إنه شيء فأدخل في سلك المجهول مطلقاً وليس من قبيل نفي العلم لنفي وجوده وهذا تقرير حسن وفيه مبالغة عظيمة منه يظهر ترجيح هذا المسلك في هذا المقام على أسلوب‏.‏

ولا ترى الضب بها ينجحر *** اه فافهم ولا تغفل ‏{‏وصاحبهما فِى الدنيا مَعْرُوفاً‏}‏ أي صحاباً معروفاً يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم والمروءة كإطعامهما واكسائهما وعدم جفائهما وانتهارهما وعيادتهما إذا مرضا ومواراتهما إذا ماتا، وذكر ‏{‏فِى الدنيا‏}‏ لتهوين أمر الصحبة والإشارة إلى أنها في أيام قلائل وشيكة الانقضاء فلا يضر تحمل مشقتها لقلة أيامها وسرعة انصرامها؛ وقيل‏:‏ للإشارة إلى أن الرفق بهما في الأمور الدنيوية دون الدينية‏.‏

وقيل‏:‏ ذكره لمقابلته بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ‏}‏ ‏{‏واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ‏}‏ أي رجع ‏{‏إِلَىَّ‏}‏ بالتوحيد والإخلاص بالطاعة، وحاصله اتبع سبيل المخلصين لا سبيلهما ‏{‏ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ‏}‏ أي رجوعك ورجوعهما وزاد بعضهم من أناب وهو خلاف الظاهر، وأياً ما كان ففيه تغليب للخطاب على الغيبة ‏{‏فَأُنَبِئُكُم‏}‏ عند رجوعكم ‏{‏بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ بأن أجازي كلاً منكم بما صدر عنه من الخير والشر، والآية نزلت في سعد بن أبي وقاص‏.‏

أخرج أبو يعلى‏.‏

والطبراني‏.‏ وابن مردويه‏.‏ وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي أن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ أنزلت في هذه الآية ‏{‏وَإِن جاهداك‏}‏ الآية كنت رجلاً براً بأمي فلما أسلمت قالت‏:‏ يا سعد وما هذا الذي أراك قد أحدثت‏؟‏ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال يا قاتل أمه قلت‏:‏ لا تفعلي يا أمه فإني لا أدع ديني هذا لشيء فمكثت يوماً وليلة لا تأكل فأصبحت قد جهدت فمكثت يوماً وليلة لا تأكل فأصبحت قد اشتهد جهدها فلما رأيت ذلك قلت‏:‏ يا أمه تعلمين والله ولو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا لشيء فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت فنزلت هذه الآية، وذكر بعضهم أن هذه وما قبلها أعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَوَصَّيْنَا الإنسان‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 4 1‏]‏ الآية نزلتا فيه قيل ولكون النزول فيه قيل‏:‏ من أناب بتوحيد الضمير حيث أريد بذلك أبو بكر رضي الله تعالى عنه فإن إسلام سعد كان بسبب إسلامه‏.‏

أخرج الواحدي عن عطاء عن ابن عباس قال إنه يريد بمن أناب أبو بكر وذلك أنه حين أسلم رآه عبد الرحمن بن عوف‏.‏ وسعيد بن زيد وعثمان وطلحة والزبير فقالوا لأبي بكر آمنت وصدقت محمداً صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر‏:‏ نعم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنوا وصدقوا فأنزل الله تعالى يقول لسعد‏:‏ ‏{‏واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ‏}‏ يعني أبا بكر رضي الله تعالى عنه، وابن جريج يقول كما أخرج عنه ابن المنذر من أناب محمد عليه الصلاة والسلام، وغير واحد يقول هو صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، والظاهر هو العموم‏.‏

‏{‏أَوْ بَنِى‏}‏ الخ رجوع إلى القصة بذكر بقية ما أريد حكايته من وصايا لقمان أثر تقرير ما في مطلعه من النهي عن الشرك وتأكيده بالاعتراض ‏{‏أَنَّهَا‏}‏ أي الخصلة من الإساءة والإحسان لفهمها من السياق‏.‏ وقيل‏:‏ وهو كما ترى أنها أي التي سألت عنها، فقد روى أن لقمان سأله ابنه أرأيت الحبة تقع في مغاص البحر أيعلمها الله تعالى فقال يا بني إنها أي التي سألت عنها ‏{‏إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ‏}‏ أي إن تكن مثلاً في الصغر كحبة الخردل والمقال ما يقدر به غيره لتساوي ثقلهما وهو في العرف معلوم‏.‏

وقرأ نافع‏.‏ والأعرج‏.‏ وأبو جعفر ‏{‏مِثْقَالَ‏}‏ بالرفع على أن الضمير للقصة و‏{‏تَكُ‏}‏ مضارع كان التامة والتأنيث لإضافة الفاعل إلى المؤنث كما في قول الأعشى‏:‏

وتشرق بالقول الذي قد أذعته *** كما شرقت صدر القناة من الدم

أو لتأويله بالزنة أو الحسنة والسيئة ‏{‏فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى السموات *أَوْ فِى الارض‏}‏ أي فتكن مع كونها في أقصى غايات الصغر والقماءة في أخفى مكان وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي، وقيل‏:‏ في أخفى مكان وأحرزه كجوف الصخرة أو أعلاه كمحدب السماوات أو أسفله كمقعر الأرض، ولا يخفى أنه لا دلالة في النظم على تخصيص المحدب والمقعر ولعل المقام يقتضيه إذ المقصود المبالغة‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِي السموات‏}‏ لا يأبى ذلك لأنها ذكرت بحسب المكانية أو للمشاكلة أو هي بمعنى علي، وعبر بها للدلالة على التمكن ومع هذا الظاهر ما تقدم، وفي «البحر» أنه بدأ بما يتعقله السامع أولاً وهو كينونة الشيء في صخرة وهو ما صلب من الحجر وعسر الإخراج منه ثم أتبعه بالعالم العلوي وهو أغرب للسامع ثم أتبعه بما يكون مقر الأشياء للشاهد وهو الأرض، وقيل‏:‏ إن خفاء الشيء وصعوبة نيله بطرق بغاية صغره ويبعده عن الرائي وبكونه في ظلمة وباحتجابه فمثقال حبة من خردل إشارة إلى غاية الصغر، و‏{‏فِى صَخْرَةٍ‏}‏ إشارة إلى الحجاب و‏{‏فِي السموات‏}‏ إشارة إلى البعد و‏{‏فِى الارض‏}‏ إشارة إلى الظلمة فإن جوف الأرض أشد الأماكن ظلمة وأياً ما كان فليس المراد بصخرة صخرة معينة، وعن ابن عباس‏.‏ والسدي أن هذه الصخرة هي التي عليها الأرض، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن الأرض على نون والنون على بحر والبحر على صخرة خضراء خضرة الماء منها والصخرة على قرن ثور وذلك الثور على الثرى ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله تعالى‏.‏

وفسر بعضهم الصخرة بهذه الصخرة، وقيل‏:‏ هي صخرة في الريح، قال ابن عطية‏:‏ وكل ذلك ضعيف لا يثبت سنده وإنما معنى الكلام المبالغة والانتهاء في التفهيم أي إن قدرته عز وجل تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في السماء وما يكون في الأرض اه، والأقوى عندي وضع هذه الأخبار ونحوها فليست الأرض إلا في حجر الماء وليس الماء إلا في جوف الهواء وينتهي الأمر إلى عرش الرحمن جل وعلا والكل في كف قدرة الله عز وجل‏.‏

وقرأ عبد الرحيم الجزري ‏{‏فَتَكُنْ‏}‏ بكسر الكاف وشد النون وفتحها، وقرأ محمد بن أبي فجة البعلبكي ‏{‏فَتَكُنْ‏}‏ بضم التاء وفتح الكاف والنون مشددة، وقرأ قتادة ‏{‏فَتَكُنْ‏}‏ بفتح التاء وكسر الكاف وسكون النون ورويت هذه القراءة عن الجزري أيضاً، والفعل في جميع ما ذكر من وكن الطائر إذا استقر في وكنته أي عشه ففي الكلام استعارة أو مجاز مرسل كما في المشفر، والضمير للمحدث عنه فيما سبق، وجوز أن يكون للابن والمعنى إن تختف أو تخف وقت الحساب يحضرك الله تعالى، ولا يخفى أنه غير ملائم للجواب أعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَأْتِ بِهَا الله‏}‏ أي يحضرها فيحاسب عليها، وهذا إما على ظاهره أو المراد يجعلها كالحاضر المشاهد لذكرها والاعتراف بها ‏{‏إِنَّ الله لَطِيفٌ‏}‏ يصل علمه تعالى إلى كل خفي ‏{‏خَبيرق‏}‏ عالم بكنهه‏.‏

وعن قتادة لطيف باستخراجها خبير بمستقرها، وقيل‏:‏ ذو لطف بعباده فيلطف بالإتيان بها بأحد الخصمين خبير عالم بخفايا الأشياء وهو كما ترى، والجملة علة مصححة للإتيان بها، أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن رباح اللخمي أنه لما وعظ لقمان ابنه وقال‏:‏ ‏{‏يابنى إِنَّهَا إِن تَكُ‏}‏ الآية أخذ حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك وهو واد في الشام فألقاها في عرضه ثم مكث ما شاء الله تعالى ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته والله تعالى أعلم، وبعد ما أمره بالتوحيد الذي هو أول ما يجب على المكلف في ضمن النهي عن الشرك ونبهه على كمال علمه تعالى وقدرته عز وجل أمره بالصلاة التي هي أكمل العبادات تكميلاً من حيث العمل بعد تكميله من حيث الاعتقاد فقال مستميلاً له‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏أَقِمِ الصلاة‏}‏ تكميلاً لنفسك، ويروى أنه قال له‏:‏ يا بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشيء صلها واسترح منها فإنها دين، وصل في جماعة ولو على رأس زج ‏{‏وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر‏}‏ تكميلاً لغيرك والظاهر أنه ليس المراد معروفاً ومنكراً معينين‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أنه قال‏:‏ وأمر بالمعروف يعني التوحيد وأنه عن المنكر يعني الشرك ‏{‏واصبر على مَا أَصَابَكَ‏}‏ من الشدائد والمحن لا سيما فيما أمرت به من إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واحتياج الأخيرين للصبر على ما ذكر ظاهر، والأول لأن إتمام الصلاة والمحافظة عليها قد يشق ولذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 5 4‏]‏ وقال ابن جبير‏:‏ واصبر على ما أصابك في أمر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقول‏:‏ إذا أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر وأصابك في ذلك أذى وشدة فاصبر عليه ‏{‏إِنَّ ذلك‏}‏ أي الصبر على ما أصابك عند ابن جبير، وهو يناسب إفراد اسم الإشارة وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلته في الفضل، أو الإشارة إلى الصبر وإلى سائر ما أمربه والإفراد للتأويل بما ذكر وأمر البعد على ما سمعت ‏{‏مِنْ عَزْمِ الامور‏}‏ أي مما عزمه الله تعالى وقطعه قطع إيجاب وروي ذلك عن ابن جريج، والعزم بهذا المعنى مما ينسب إلى الله تعالى ومنه ما ورد من عزمات الله عز وجل، والمراد به هنا المعزوم إطلاقاً للمصدر على المفعول، والإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأمور المعزومة‏.‏

وجوز أن يكون العزم بمعنى الفاعل أي عازم الأمور من عزم الأمر أي جد فعزم الأمور من باب الإسناد المجازي كمكر الليل لا من باب الإضافة على معنى في وإن صح، وقيل‏:‏ يريد من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة، واستظهر أبو حيان أنه أراد من لازمات الأمور الواجبة، ونقل عن بعضهم أن العزم هو الحزم بلغة هذيل، والحزم والعزم أصلان، وما قاله المبرد من أن العين قلبت حاء ليس بشيء لاطراد تصاريف كل من اللفظين فليس أحدهما أصلاً للآخر، والجملة تعليل لوجوب الامتثال بما سبق وفيه اعتناء بشأنه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ‏}‏ أي لا تمله عنهم ولا تولهم صفحة وجهك كما يفعله المتكبرون قاله ابن عباس‏.‏ وجماعة وأنشدوا‏:‏

وكنا إذا الجبار صعر خده *** أقمنا له من ميله فتقوما

فهو من الصعر بمعنى الصيد وهو داء يعتري البعير فيلوي منه عنقه ويستعار للتكبر كالصعر، وقال ابن خويزمنداد‏:‏ نهى أن يذل نفسه من غير حاجة فيلوي عنقه، ورجح الأول بأنه أوفق بما بعد، ولام ‏{‏لِلنَّاسِ‏}‏ تعليلية والمراد ولا تصعر خدك لأجل الإعراض عن الناس أو صلة‏.‏ وقرأ نافع وأبو عمرو‏.‏ وحمزة‏.‏ والكسائي ‏{‏تصاعر‏}‏ بألف بعد الصاد‏.‏ وقرأ الجحدري تصعر مضارع أصعر والكل واحد مثل علاه وعالاه وأعلاه‏.‏

‏{‏مَسْؤُولاً وَلاَ تَمْشِ فِى الارض‏}‏ التي هي أحط الأماكن منزلة ‏{‏مَرَحاً‏}‏ أي فرحاً وبطراً، مصدر وقع موقع الحال للمبالغة أو لتأويله بالوصف أو تمرح مرحاً على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف والجملة في موضع الحال أو لأجل المرح على أنه مفعول له، وقرىء مرحاً بكسر الراء على أنه وصف في موضع الحال ‏{‏إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ‏}‏ تعليل للنهي أو موجبه والمختال من الخيلاء وهو التبختر في المشي كبراً، وقال الراغب‏:‏ التكبر عن تخيل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه، ومنه تؤول لفظ الخيل لما قيل أنه لا يركب أحد فرساً إلا وجد في نفسه نخوة، والفخور من الفخر وهو المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه ويدخل في ذلك تعداد الشخص ما أعطاه لظهور أنه مباها بالمال، وعن مجاهد تفسير الفخور بمن يعدد ما أعطى ولا يشكر الله عز وجل، وفي الآية عند الزمخشري لف ونشر معكوس حيث قال‏:‏ المختال مقابل للماشي مرحاً وكذلك الفخور للمصعر خده كبراً وذلك لرعاية الفواصل على ما قيل، ولا يأبى ذلك كون الوصية لم تكن باللسان العربي كما لا يخفى‏.‏

وجوز أن يكون هناك لف ونشر مرتب فإن الاختيال يناسب الكبر والعجب وكذا الفخر يناسب المشي مرحاً، والكلام على رفع الإيجاب الكلي والمراد السلب الكلي، وجوز أن يبقى على ظاهره، وصيغة ‏{‏فَخُورٌ‏}‏ للفاصلة ولأن ما يكره من الفخر كثرته فإن القليل منه يكثر وقوعه فلطف الله تعالى بالعفو عنه وهذا كما لطف بإباحة اختيال المجاهد بين الصفني وإباحة الفخر بنحو المال لمقصد حسن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏واقصد فِى مَشْيِكَ‏}‏ بعد الاجتناب عن المرح فيه أي توسط فيه بين الدبيب والإسراع من القصد وهو الاعتدال، وجاء في عدة روايات إلا أن في أكثرها مقالاً يخرجها عن صلاحية الاحتجاج بها كما لا يخفى على من راجع شرح الجامع الصغير للمناوي عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن ‏"‏ أي هيبته وجماله أي تورثه حقارة في أعين الناس، وكأن ذلك لأنها تدل على الخفة وهذا أقرب من قول المناوي لأنها تتعب فتغير البدن والهيئة‏.‏

وقال ابن مسعود‏:‏ كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى ولكن مشياً بين ذلك، وما في النهاية من أن عائشة نظرت إلى رجل كاد يموت تخافتاً فقالت‏:‏ ما لهذا‏؟‏ فقيل‏:‏ إنه من القراء فقالت‏:‏ كان عمر رضي الله تعالى عنه سيد القراء وكان إذا مشى أسرع وإذا قال أسمع وإذا ضرب أوجع، فالمراد بالإسراع فيه ما فوق دبيب المتماوت وهو الذي يخفي صوته ويقل حركاته مما يتزيا بزي العباد كأنه يتكلف في اتصافه بما يقربه من صفات الأموات ليوهم أنه ضعف من كثرة العبادة فلا ينافي الآية، وكذا ما ورد في صفته صلى الله عليه وسلم إذ يمشي كأنما ينحط من صبب وكذا لا ينافيها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الارض هَوْناً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 63‏]‏ إذ ليس الهون فيه المشي كدبيب النمل، وذكر بعض الأفاضل أن المذموم اعتياد الإسراع بالإفراط فيه، وقال السخاوي‏:‏ محل ذم الإسراع ما لم يخش من بطء السير تفويت أمر ديني، لكن أنت تعلم أن الإسراع المذهب للخشوع لإدراك الركعة مع الإمام مثلاً مما قالوا إنه مما لا ينبغي فلا تغفل، وعن مجاهد أن القصد في المشي التواضع فيه، وقيل‏:‏ جعل البصر موضع القدم، والمعول عليه ما تقدم‏.‏ وقرىء ‏{‏واقصد‏}‏ بقطع الهمزة ونسبها ابن خالويه للحجازي من أقصد الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية ووجهه إليها ليصيبها أي سدد في مشيك والمراد أمش مشياً حسناً، وكأنه أريد التوسط به بين المشيين السريع والبطىء فتتوافق القراءاتان ‏{‏واغضض مِن صَوْتِكَ‏}‏ أي انقص منه واقصر من قولك فلان يغض من فلان إذا قصر به ووضع منه وحط من درجته‏.‏ وفي «البحر» الغضرد طموح الشيء كالصوت والنظر ويستعمل متعدياً بنفسه كما في قوله‏:‏

فغض الطرف إنك من نمير *** ومتعدياً بمن كما هو ظاهر قول الجوهري غض من صوته‏.‏ والظاهر إن ما في الآية من الثاني، وتكلف بعضهم جعل من فيها للتبعيض، وادعى آخر كونها زائدة في الإثبات، وكانت العرب تفتخر بجهارة الصوت وتمدح به في الجاهلية ومنه، قول الشاعر‏:‏

جهير الكلام جهير العطاس *** جهير الرواء جهير النعم

ويخطو على العم خطو الظليم *** ويعلو الرجال بخلق عمم

والحكمة في غض الصوت المأمور به أنه أوفر للمتكلم وأبسط لنفس السامع وفهمه ‏{‏إِنَّ أَنكَرَ الاصوات‏}‏ أي أقبحها يقال وجه منكر أي قبيح قال في «البحر»‏:‏ وهو أفعل بني من فعل المفعول كقولهم‏:‏ أشغل من ذات النحيين وبناؤه من ذلك شاذ، وقال بعض‏:‏ أي أصعبها على السمع وأوحشها من نكر بالضم نكارة ومنه ‏{‏يَوْمَ يَدْعُو الداع إلى شَىْء نُّكُرٍ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 6‏]‏ أي أمر صعب لا يعرف، والمراد بالأصوات أصوات الحيوانات أي إن أنكر أصوات الحيوانات ‏{‏لَصَوْتُ الحمير‏}‏ جمع حمار كما صرح به أهل اللغة ولم يخالف فيه غير السهيلي قال‏:‏ أنه فعيل اسم جمع كالعبيد وقد يطلق على اسم الجمع الجمع عند اللغويين، والجملة تعليل للأمر بالغض على أبلغ وجه وآكده حيث شبه الرافعون أصواتهمب الحمير وهم مثل في الذم البليغ والتشمية ومثلت أصواتهم بالنهاق الذي أوله زفير وآخره شهيق ثم أخلي الكلام من لفظ التشبيه وأخرج مخرج الاستعارة، وفي ذلك من المبالغة في الذم والتهجين والإفراط في التثبيط عن رفع الصوت والترغيب عنه ما فيه، وإفراد الصوت مع جمع ما أضيف هو إليه للإشارة إلى قوة تشابه أصوات الحمير حتى كأنها صوت واحد هو أنكر الأصوات، وقال الزمخشري أن ذلك لما أن المراد ليس بيان حال صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع بل بيان صوت هذا الجنس من بين أصوات سائر الأجناس، قيل‏:‏ فعلى هذا كان المناسب لصوت الحمار بتوحيد المضاف إليه‏.‏ وأجيب بأن المقصود من الجمع التتميم والمبالغة في التنفير فإن الصوت إذا توافقت عليه الحمير كان أنكر‏.‏ وأورد عليه أنه يوهم أن الأنكرية في التوافق دون الانفراد وهو لا يناسب المقام، وأجيب بأنه لا يلتفت إلى مثل هذا التوهم، وقيل‏:‏ لم يجمع الصوت المضاف لأنه مصدر وهو لا يثنى ولا يجمع ما لم تقصد الأنواع كما في ‏{‏أَنكَرَ الاصوات‏}‏ فتأمل، والظاهر أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ أَنكَرَ الاصوات لَصَوْتُ الحمير‏}‏ من كلام لقمان لابنه تنفيراً له عن رفع الصوت، وقيل‏:‏ هو من كلام الله تعالى وانتهت وصية لقمان بقوله‏:‏ ‏{‏واغضض مِن صَوْتِكَ‏}‏ رد سبحانه به على المشركين الذين كانوا يتفاخرون بجهارة الصوت ورفعه مع أن ذلك يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوة وربما يخرق الغشاء الذي هو داخل الأذن وبين عز وجل أن مثلهم في رفع أصواتهم مثل الحمير وأن مثل أصواتهم التي يرفعونها مثل نهاقها في الشدة مع القبح الموحش وهذا الذي يليق أن يجعل وجه شبه لا الخلو عن ذكر الله تعالى كما يتوهم بناءً على ما أخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري قال‏:‏ صياح كل شيء تسبيحه إلا لحماء لما أن وجه الشبه ينبغي أن يكون صفة ظاهرة وخلو صوت الحمار عن الذكر ليس كذلك، على أنا لا نسلم صحة هذا الخبر فإن فيه ما فيه، ومثله ما شاع بين الجهلة من أن نهيق الحمار لعن للشيعة الذين لا يزالون ينهقون بسب الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومثل هذا من الخرافات التي يمجها السمع ما عدا سمع طويل الأذنين، والظاهر أن المراد بالغض من الصوت الغض منه عند التكلم والمحاورة، وقيل‏:‏ الغض من الصوت مطلقاً فيشمل الغض منه عند العطاس فلا ينبغي أن يرفع صوته عنده إن أمكنه عدم الرفع، وروي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ما يقتضيه ثم أن الغض ممدوح أن لم يدع داع شرعي إلى خلافه، وأردف الأمر بالقصد في المشي بالأمر بالغض من الصوت لما أنه كثيراً ما يتوصل إلى المطلوب بالصوت بعد العجز عن التوصل إليه بالمشي كذا قيل، هذا وأبعد بعضهم في الكلام على هذين الأمرين فقال‏:‏ إن الأول إشارة إلى التوسط في الأفعال والثاني إشارة إلى الاحتراز من فضول الكلام والتوسط في الأقوال، وجعل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 61‏]‏ الخ إشارة إلى إصلاح الضمير وهو كما ترى‏.‏

وقرأ ابن أبي عبلة ‏{‏لَصَوْتُ الحمير‏}‏ بالجمع بغير لام التأكيد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السموات وَمَا فِي الارض‏}‏ رجوع إلى سنن ما سلف قبل قصة لقمان من خطاب المشركين وتوبيخ لهم على إصرارهم على ما هم عليه مع مشاهدتهم لدلائل التوحيد، والتسخير على ما قال الراغب سياقة الشيء إلى الغرض المختص به قهراً، وفي إرشاد العقل السليم المراد به إما جعل المسخر بحيث ينفع المسخر له أعم من أن يكون منقاداً له يتصرف فيه كيف يشاء ويستعمله كيف يريد كعامة ما في الأرض من الأشياء المسخرة للإنسان المستعملة له من الجماد والحيوان أو لا يكون كذلك بل يكون سبباً لحصول مراده من غير أن يكون له دخل في استعماله كجميع ما في السماوات من الأشياء التي نيطت بها مصالح العباد معاشاً أو معاداً، وأما جعله منقاداً للأمر مذللاً على أن معنى ‏{‏لَكُمْ‏}‏ لأجلكم فإن جميع ما في السماوات والأرض من الكائنات مسخرة لله تعالى مستتعبة لمنافع الخلق وما يستعمله الإنسان حسبما يشاء وإن كان مسخراً له بحسب الظاهر فهو في الحقيقة مسخر لله عز وجل ‏{‏وَأَسْبَغَ‏}‏ أي أتم وأوسع ‏{‏عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ‏}‏ جمع نعمة وهي في الأصل الحالة المستلذة فإن بناء الفعلة كالجلسة والركبة للهيئة ثم استعملت فيما يلائم من الأمور الموجبة لتلك الحالة إطلاقاً للمسبب على السبب، وفي معنى ذلك قولهم‏:‏ هي ما ينتفع به ويستلذ ومنهم من زاد ويحمل عاقبته، وقال بعضهم‏:‏ لا حاجة إلى هذه الزيادة لأن اللذة عند المحققين أمر تحمد عاقبته وعليه لا يكون لله عز وجل على كافر نعمة، ونقل الطيبي عن الإمام أنه قال‏:‏ النعمة عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، ومنهم من يقول‏:‏ المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير قالوا‏:‏ وإنما زدنا قيد الحسنة لأن النعمة يستحق بها الشكر وإذا كانت قبيحة لا يستحق بها الشكر، والحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محظوراً لأن جهة الشكر كونه إحساناً وجهة استحقاق الذم والعقاب الحظر فأي امتناع في اجتماعهما، ألا ترى أن الفاسق يستحق الشكر لإنعامه والذم لمعصية الله تعالى فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك، أما قولنا‏:‏ المنفعة فلأن المضرة المحضة لا تكون نعمة، وقولنا‏:‏ المفعولة على جهة الإحسان لأنه لو كان نفعاً وقصد الفاعل به نفع نفسه لا نفع المفعول به لا يكون نعمة وذلك كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها اه، ويعلم منه حكم زيادة ويحمد عاقبته ‏{‏ظاهرة وَبَاطِنَةً‏}‏ أي محسوسة ومعقولة معروفة لكم وغير معروفة، وعن مجاهد النعمة الظاهرة ظهور الإسلام والنصرة على الأعداء والباطنة الإمداد من الملائكة عليهم السلام، وعن الضحاك الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة، وقيل‏:‏ الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح والباطنة القلب والعقل والفهم، وقيل‏:‏ الظاهرة نعم الدنيا والباطنة نعم الآخرة، وقيل‏:‏ الظاهرة نحو إرسال الرسل وإنزال الكتب والتوفيق لقبول الإسلام والإتيان به والثبات على قدم الصدق ولزوم العبودية والباطنة ما أصاب الأرواح في عالم الذر من رشاش نور النور‏.‏

وأول الغيث قطر ثم ينسكب *** ونقل بعض الإمامية عن الباقر رضي الله تعالى عنه أنه قال‏:‏ الظاهرة النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من معرفة الله تعالى وتوحيده والباطنة ولا يتنا أهل البيت وعقد مودتنا، والتعميم الذي أشرنا إليه أولاً أولى، لكن أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عطاء قال‏:‏ سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً‏}‏ قال‏:‏ هذه من كنوز علمي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما الظاهرة فما سوى من خلقك وأما الباطنة فما ستر من عورتك ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم‏.‏

وفي رواية أخرى رواها ابن مردويه‏.‏ والديلمي‏.‏ والبيهقي‏.‏ وابن النجار عن ابن عباس أنه قال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَسْبَغَ‏}‏ الخ قال‏:‏ أما الظاهرة فالإسلام وما سوى من خلقك وما أسبغ عليك من رزقه وأما الباطنة فما ستر من مساوىء عملك فإن صح ما ذكر فلا يعدل عنه إلى التعميم إلا أن يقال‏:‏ الغرض من تفسير الظاهرة والباطنة بما فسرنا به التمثيل وهو الظاهر لا التخصيص وإلا لتعارض الخبران‏.‏

ثم إن ظاهر هذين الخبرين يقتضي كون الذنب وهو المعبر عنه في الأول بما ستر من العورة وفي الثاني بما ستر من مساوىء العمل نعمة ولم نر في كلامهم التصريح بإطلاقها عليه ويلزمه أن من كثرت ذنوبه كثرت نعم الله تعالى عليه فكان المراد أن النعمة الباطنة هي ستر ما ستر من العورة ومساوىء العمل ولم يقل كذلك اعتماداً على وضوح الأمر، وجاء في بعض الآثار ما يقتضي ذلك، أخرج ابن أبي حاتم‏.‏ والبيهقي‏.‏ عن مقاتل أنه قال في الآية‏:‏ ‏{‏ظاهرة‏}‏ الإسلام ‏{‏وَبَاطِنَةً‏}‏ ستره تعالى عليكم المعاصي، بل جاء في بعض روايات الخبر الثاني وأما ما بطن فستر مساوىء عملك‏.‏

وجوز أن يكون ‏{‏مَا‏}‏ في ما ستر في الخبرين مصدرية ومن صلة ستر لا بيان لما وقرأ‏.‏ يحيى بن عمارة وأصبغ بالصاد وهي لغة بني كلب يبدلون من السين إذا اجتمعت مع أحد الحروف المستعلية الغين والخاء والقاف صاداً فيقولون في سلخ صلخ وفي سقر صقر وفي سائغ صائغ ولا فرق في ذلك بين أني يفصل بينهما فاصل وأن لا يفصل، وظاهر كلام بعضهم أنه لا فرق أيضاً بين أن تتقدم السين على أحد تلك الأحرف وأن تتأخر، واشترط آخر تقدم السين، وذكر الخفاجي أنه إبدال مطرد‏.‏

وقرأ بعض السبعة‏.‏ وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما ‏{‏نِعْمَتَ‏}‏ بالإفراد‏.‏ وقرىء ‏{‏نِعْمَتَهُ‏}‏ بالأفراد والإضافة، ووجه الإفراد بإرادة الجنس كما قيل ذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 4 3‏]‏ وقال الزجاج من قرأ‏.‏ ‏{‏نِعْمَتَ‏}‏ فعلى معنى ما أعطاهم من التوحيد ومن قرأ نعمه بالجمع فعلى جميع ما أنعم به عليهم والأول أولى، ونصب ‏{‏ظاهرة وَبَاطِنَةً‏}‏ في قراءة التعريف على الحالية وفي قراءة التنكير على الوصفية ‏{‏وَمِنَ الناس مَن يجادل‏}‏ من الجدال وهو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلت الحبل أي أحكمت فتله كان المتجادلين يفتل كل منهما صاحبه عن رأيه‏.‏ وقيل‏:‏ الأصل في الجدال الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة وهي الأرض الصلبة وكأن الجملة في موضع الحال من ضميره تعالى فيما قبل أي ألم تروا أن الله سبحانه فعل ما فعل من الأمور الدالة على وحدته سبحانه وقدرته عز وجل والحال من الناس من ينازع ويخاصم كالنضر بن الحرث وأبي ابن خلف كانا يجادلان النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏فِى الله‏}‏ أي في توحيده عز وجل وصفاته جل شأنه كالمشركين المنكرين وحدته سبحانه وعموم قدرته جلت قدرته وشمولها للبعث ولم يقل فيه بدل في الله بإرجاع الضمير للاسم الجليل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ‏}‏ تهويلاً لأمر الجدال ‏{‏بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ مستفاد من دليل عقلي ‏{‏وَلاَ هُدًى‏}‏ راجع إلى رسول مأخوذ منه، وجوز جعل الهدى نفس الرسول مبالغة وفيه بعد ‏{‏وَلاَ كتاب‏}‏ أنزله الله تعالى ‏{‏مُّنِيرٍ‏}‏ أي ذي نور، والمراد به واضح الدلالة على المقصود، وقيل‏:‏ منقذ من ظلمة الجهل والضلال بل يجادلون بمجرد التقليد كما قال سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ‏}‏ أي لمن يجادل والجمع باعتبار المعنى ‏{‏اتبعوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا‏}‏ يريدون عبادة ما عبدوه من دون الله عز وجل، وهذا ظاهر في منع التقليد في أصول الدين والمسألة خلافية فالذي ذهب إليه الأكثرون ورجحه الإمام الرازي والآمدي أنه لا يجوز التقليد في الأصول بل يجب النظر والذي ذهب إليه عبيد الله بن الحسن العنبري وجماعة الجواز وربما قال بعضهم‏:‏ إنه الواجب على المكلف وإن النظر في ذلك والاجتهاد فيه حرام، وعلى كل يصح عقائد المقلد المحق وإن كان آثماً بترك النظر على الأول؛ وعن الأشعري أنه لا يصح إيمانه، وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري‏:‏ هذا مكذوب عليه لما يلزمه تكفير العوام وهم غالب المؤمنين، والتحقيق أنه إن كان التقليد أخذاً لقول الغير بغير حجة مع احتمال شك ووهم بأن لا يجزم المقلد فلا يكفي إيمانه قطعاً لأنه لا إيمان مع أدنى تردد فيه وإن كان لكن جزماً فيكفي عند الأشعري وغيره خلافاً لأبي هاشم في قوله لا يكفي بل لا بد لصحة الإيمان من النظر، وذكر الخفاجي أنه لا خلاف في امتناع تقليد من لم يعلم أنه مستند إلى دليل حق، وظاهر ذم المجادلين بغير علم ولا هدى ولا كتاب أنه يكفي النظر الدليل النقلي الحق كما يكفي فيه الدليل العقلي‏.‏

‏{‏أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ‏}‏ أي يدعو آباءهم لا أنفسهم كما قيل‏:‏ فإن مدار إنكار الاستتباع كون المتبوعين تابعين للشياطين وينادي عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ لَّوْ كَانَ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ‏}‏ بعد قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 170‏]‏ ويعلم منه حال رجوع الضمير إلى المجموع أي أولئك المجادلين وآباءهم ‏{‏إلى عَذَابِ السعير‏}‏ أي إلى ما يؤول إليه أو يتسبب منه من الإشراك وإنكار شمول قدرته عز وجل للبعث ونحو ذلك من الضلالات، وجوز بقاء ‏{‏عَذَابِ السعير‏}‏ على حقيقته والاستفهام للإنكار ويفهم التعجيب من السايق أو للتعجيب ويفهم الإنكار من السياق والواو حالية والمعنى أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم أي في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب، وجوز كون الواو عاطفة على مقدر أي أيتبعونهم لو لم يكن الشيطان يدعوهم إلى العذاب ولو كان يدعوهم إليه، وهما قولان مشهوران في الواو الداخلة على ‏{‏لَوْ‏}‏ الوصلية ونحوها، وكذا في احتياجها إلى الجواب قولان قول بالاحتياج وقول بعدمه لانسلاخها عن معنى الشرط، ومن ذهب إلى الأول قدره هنا لا يتبعوهم وهو مما لا غبار عليه على تقدير كون الواو عاطفة، وأما على تقدير كونها حالية فزعم بعضهم أنه لا يتسنى وفيه نظر، وقد مر الكلام على نحو هذه الآية الكريمة فتذكر‏.‏